عبد الملك الجويني

358

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولو ادعت المرأة على الزوج أنه طلقها ، فأنكر ، ونكل عن اليمين ، وحلفت المرأة ، ثم كذَّبت نفسها ، فلا معوّلَ على تكذيبها بعد ما ادّعت الطلاق ، وإن كان كذبُها ممكناً ، ولا يمتنع صدقُها في القول الثاني ( 1 ) ، ولكن إذا استند قولها إلى إثباتٍ ، لم يقبل رجوعها . ولو نكحت المرأة ، فقالت : لم أرض - وكانت على صفةٍ يفتقر النكاح إلى رضاها - فإنا نصدقها مع يمينها ، فلو قالت : تذكّرت أنّي رضيت ، فهذا محتمل عندي ، وإن كان نفياً ؛ فإنه نفيٌ تتعلق اليمين الباتّة به ، فيتجه ألا نصدقها ، ويظهر أيضاً أن نصدّقها . 9356 - ويترتب مما ذكرناه ثلاث مراتب : إحداها - أن يتعلق الاعتراف بإثباتٍ ، فلا يُقبل الرجوع عنه ، إذا كان يتعلق بحق الغير ، كحق الله في الطلاق . وما يتعلق بنفي فعل الغير ، فالرجوع عنه لا يَمتنع قبولُه إلا في حكمٍ واحد ، وهو أن يتضمن قولُه الأول سقوطَ حقه : مثل أن يقول : " ما أتلف فلانٌ مالي " فإذا عاد وادعى الإتلاف . على مناقضة ذلك القول ، لم يقبل منه ؛ فإنه بنفي الفعل اعترف بانتفاء استحقاقه . وإذا تعلق الاعتراف ، أو القول الذي ليس اعترافاً بنفيٍ يتعلق بالنافي ، كقول المرأة : لم أرض مع قولها من بعدُ : قد تذكرت أني كنت رضيت ، فهذا فيه احتمال . ولست أخوض في فصلٍ يتعلق بالتنازع إلاّ وأنا أستشعر منه وَجَلاً [ لعلمي ] ( 2 ) بأنه لا يمكن الانتهاء إلى استقصاء أطرافه ، وهو محالٌ على الدعاوى والبينات ، وسنأتي فيها بالعجائب والآيات - إن شاء الله - وعندها تنكشف أسرار الخصومات .

--> ( 1 ) في القول الثاني : أي في المسألة قولان ، الثاني منهما : " لا يمتنع صدقها " وليس المعنى : لا يمتنع صدقها في عبارتها الثانية ، وهذا واضحٌ تماماً في عبارة ابن أبي عصرون . ( 2 ) في الأصل : لعلى .